دخان السجائر المطرود كرهاً
يناير 17, 2012 من تأليف husam shady
سجاااير ، إتفضل يا أستاذ ، ألقاها متعجلة خجلة لكن بتجميع جرئة ، لم تستمر لأكثر من الثوانى التى إستخدم فيها كمية هواء كافية لإطلاق ثلاث كلمات ، كان يتوقع أن يمد يده فى جيبه كالعادة ، يتفحصه ، ليتأكد من وجود الخمسة جنيهات ، الكافية لكى أبيعه علبة السجاير ذات الفلتر الأحمر ، والمكتوب عليها بكذب ساذج ، أنها أمريكية الصنع ، لكن هو وأنا والكل يعلم أنها أتية فى كونتنرات الصين ، المسافرة دائماً بلا توقف ، ثم أنه بعد أن يتحسس جيوبه ويجدها أى الورقة الزرقاء ، أو يتحسس بأصابعه وعينه وأذنه عدد الجنيهات المعدنية ، سوف يقول لى النسر ، سيقولها بإبتسامة ساخرة ، سخرية موجهة لذاته ، ولمعتقد التجارة الصناعة فى العالم الأن ، أنت مستهلك ، ونحن نصنع لك ما يمكنك شراءه ، لا تبحث عن جودة ، بل عن وجود ، أو تواجد سلعتك المرتجاة ، أنت زبون مصرى ، أنت مصرى كهذا الشخص ، الذى ألقى له الكلام بشكل غير مباشر ، أو بأسلوب تاجر يروج بضاعة ، أو شخص يتسائل عن ما حل بك ، لكن يخشى أن تنظر له نظرة تعنى لا أعرفك ، لكنه يعرفه جيداً ، إنه زبون دائم ، فهو يعبر من هنا كثيراً له مدة ، له شهور ، ينتظر بجواره ، أو بعيداً عنه بأمتار ، يأتى ليأخذ علبته ، يجرى أى حوار عن أى شئ ، رغم أنه يبين أنه لا يتحدث كثيراً ، لكنه يلقى كلمات قليلة باسمة سريعة ويذهب ، لكنهم ربما يقابلون بعضاً يومياً ، الشخص الثابت مكانه ، والشخص العابر أمامه ، أحدهم يحتل موضع ما ، كان هذا المكان ككل الطريق ، تمر عجلات السيارات عليه ، قد يركن أحدهم عربته هنا ، لكن العدة ألاف المتبقية ، من سفرية ربما كانت لليبيا ، أو ذهب شبكة الزوجة المباع ، أو ، أو ، مما قد لا يمكن حصره ، رغم أنه متشابه فى النهاية ، بشكل أو بأخر ، لقد وجدت فاترينة صغيرة ، متحركة بعجلات أربع ، بها مئات علب السجائر الرخيصة السعر ، تقف قريباً من محطة الأتوبيس ، و التى بطبيعة الموانى والمحطات لا تتوقف الحركة بها أو بجوارها ، أناس كثير ، كلهم يشعرون بإرتباك السفر ، أو الرحيل ، حتى لو كان رحيلاً لعدة ساعات ، رحيلاً يعقبه رحيل من ما رحلوا إليه قبلاً ، يسمونها عودة ، حتى العائدون مرتبكون ، إرتباك العودة ، لذلك فالسجائر تجارة سريعة الدورة ، حتى من تركها عاد لها هذه الأيام ، والبعض بدأ بمصادقتها تواً ، والباقى يفكر فيها ، ويمارس التدخين بإستنشاق دخانك ، يفعلها بسلبية مقصودة ، هنا قريباً من الميناء البرى ، فى المدينة الصغيرة المساحة ، الكبيرة التاريخ والعدد ، الطاردة لسكانها ، لم يستطع أن يقف بجوار فتارين الأخرين ، لكانت معركة قد يخسر فيها ليس فقط رأس ماله ، القليل بالأصل ، بل قد يفقد حياته ، قد يشوه ، أو يكسح ، أو على الأقل تكسر ضلوعه ، فهذا أكل عيش ، وأكل العيش فى بلاد الأرانب بات صعباً ، بات يقتل الناس فى طوابيره ، لكنه تعقل ، وربما خاض معركة لم نشهدها ، لكنه وضع نفسه هنا ، يجلس أمامها على كرسى بلاستيكى خفيف ، يجلس يتابع العالم من شاشته ، التى هى محدودة بمستوى نظرى معين ، لا يزيد ، لكن فى وحدته اليومية هذه ، لابد وأن يصنع عالمه ، يصنع حياة ، يخلق أصدقاء ، هو لا يتحدث مع العابرون ، هم يلقون بنقود يلقيها فى درج أمامه ، ويلقى لهم بعلب التبغ الملفوف بماكينة ، تلسق ورقها بعرق الفقراء ، بعضهم قد يتحدث عن لاشئ ، يتحدث لرغبة فى الحديث وفقط ، ولا حديث إلا عن البضاعة ، أو هى مفتاح الحديث ، ولكن رغم أن الكل يستمتع بالحكى عن عمله وتفاصيله ، ومغامراته ، ونصباته ، إلا أن هذا ليس بالعمل الذى به كل ذلك ، هى بضاعة لها سعر جملة ، ولها سعر بيع معروف ، لا مغامرة ، ولم يعد بها تنوع الغنى والفقير ، وهو ليس يملك ما يجعله يبيع للغنى ، كى يقترب من السعيد كى يسعد ، كما كان يقال كحكمة شعبية باتت بلا معنى ، وبالأصل لن يمر به السعيد ، هذه الأيام ، فهو إما رحل لبلاد ليس بها سوبر وعاده ، أو هو يتعامل مع من يبيع السوبر وفقط ، لك أن تعلم أنه لا يمر به سوى المرتبكون ، المترددون ، المنسحقون ، السائرون نياماً ، وبعض السعداء ببساطة السير سوياً ، والذين يقفوا للحظات ، ليتأكدون قبل أن يصلوا له ، أن جنيهاتهم موجودة بكاملها ، مرتبك من المرتبكون هو صديقه الإفتراضى هذا ، صديق التلصص الغير مقصود ، صديق الطريق ، العابر بجواره كثيراً ، لا يسافر ، لكنه دائماً ينتظر بجوار المحطة ، يراه كثيراً ، حفظ نغمة صوته وهو يخبره عن طلبه الذى بات يعرفه ، فبات يمد يده ناحية علبته ، ولكن ينتظر أن يسمعها منه ، كنوع من الإستئناث بأحدهم ، أو التعلق بقشة التعاطف المتبادل ، تعاطف مشاركة أى شئ مع أحدهم ، ولو كان البيع والشراء ، قد يمثل له حكاية يحكيها مع شريكته وقت الطعام والراحة والمشاركة فى حكايات يوم العمل الطويل ، أو قد يكون الأمر ببساطة ، أن يسمع صوت ، وهو فى هذه الغرفة المظلمة ، غرفة السينما ، ذات الشريط الواحد ، الذى لا يتغير كثيراً ، كان أيضاً يستمع لنغمة أخرى من صوته ، أخرى ومختلفة ، كانت هذه وهو يمر من أمامه ، بعد أن تنتهى فترة الإنتظار ، ، بعد أن يتحركون مبتعدين ، أو وهم عائدون من نفس الشريط ، كتبديل للمشهد الممل ، إبتساماتهم ، ضحكهم أحياناً فى وقت العودة ، لون الحزن السعيد هم ، رقصة ثنائية سعيدة حالمة خلفيتها مشهد مظلم بل مرعب ، لبحر هائج منتصف ليل لا قمر له ، إبتسامة تبتسمها روحه المخنوقة فى ثباته ، إفتقد أصدقائه العابرين ، لكنه له عدة أيام يريد جدياً أن يوقفه ، يسائله ما الذى حدث يا صديقى ، بت تمر وحيداً ، نعم تمر من نفس الطريق دائماً ، لكنك لم تعد تنتظر ، لم يعد تضحك ، لم تعد تبتسم ، لم يعد لديك الرغبة فى التوقف عند ما قد يذكرك بالمكان ، رغم عدم قدرتك على الإبتعاد عنه ، لكنه بات طريق حزن يسقط رأسك ضعفاً وهماً ، بات يا صديقى الحزن حزيناً جداً ، بات الحزن وحيداً جداً ، لم تعد تتعامل معى ، حتى نظرتك المبتسمة سابقاً لم تعد تستطيعها ، تمر أمامى منسحقاً ، غير مستعد للنظر حتى للفراغ ، بات الفراغ يخنقك ، بات نفس السجائر المطرود من أنفك مكروهاً حتى لك ، أشعرك تريد جدياً قطع علاقتك بالطريق ، لكنك لا تستطيع ، خطواتك كلما إقتربت متعثرة ، وكأن جسدك يرفض الطريق ، والطريق يلفظك ، لم يعد سعيداً بك ولم تعد أن كذلك ، لكنه وضع الزومبى ، السائرين نياماً بقوة دفع وقوة جذب غير منظورة .

Like this:
Be the first to like this post.
أرسلت فى Salvador Dalí, لحظاتى, من كرتونة الذكريات, وحدى, أحه, بلا وطن, بضينوس, تهيس, تهيساتى, تساؤلات, تصعلق, خنقه | أترك تعليقا
اترك رد